تسليم الأعمال , الطبيعة القانونية للتسليم وآثاره

مسؤولية المقاول والمقاول من الباطن
الفصل الأول : المسؤولية العقدية للمقاول والمقاول من الباطن
المبحث الثاني : المسؤولية العقدية للمقاولة والمقاول من الباطن بعد
المطلب الأول : تسليم الأعمال :
-سوف نتطرق في هذا المطلب للطبيعة القانونية للتسليم وأنواعه ( الفقرة الأولى ) تم نتناول أثاره في ( الفقرة الثانية ) .
الفقرة الأولى  الطبيعة القانونية للتسليم الأعمال وأنواعه :
أولا : الطبيعة القانونية للتسليم :
بالرجوع إلى القانون الالتزامات والعقود المغربي نجد هذا الأخير لم يعرف التسليم وإن كان يشير له من حين لآخر في المناسبات مختلفة مثل الفصل 763 من ق.ل.ع بخصوص المماطلة في التسليم التي تؤدي إلى فسخ لإجارة والفصل 768 من ق.ل.ع بخصوص رفض تسليم المصنوع من طرف رب العمل، والفصل 769 من ق.ل.ع بخصوص اعتبار التسليم كمنطلق للاحتساب مهلة الضمان العشري وكذلك الفصل 771 من ق.ل.ع بشأن تسلم المصنوع المعين من غير تحفظ ومن ذلك أيضا ما ورد في الفصل 774 ق ل ع الذي جاء فيه :” يلتزم رب العمل بتسلم المصنوع إذا كان مطابقا للعقد كما يلزم بنقله على نفقته إذا كان من شأنه أن ينقل ”
ومن القرارات القضائية في هذا المجال القرار رقم 97 بتاريخ 22/1/1969 الذي جاء فيه أن محكمة الدرجة الثانية التي أيدت الحكم الصادر عن قضاة الدرجة الأولى تبنت ضمنيا تعليلهم الغير المخالف ، وأنه لا يمكن لذلك الطعن في الحكم المذكور بعد تعليل الحكم الابتدائي الذي رفض الدفع بمرور الأجل الذي أثاره استنادا على الفصلين 767 و 553 ق ل ع لعلة أن الفصل 769 من نفس القانون هوالوجب التطبيق نظرا لتهديد النيابة بالسقوط تكون قد بينت قضاء ها على أساس سليم ”  .
وكذلك القرار الصادر في ابتدائية الدار البيضاء بتاريخ 26/1/1956 التي أقرت بأن رب العمل يكون قد جانب الصواب إذا لم يخطر المقاول بالعيوب التي ظهرت داخل الأجال المنصوص عليها في الفصلين 767 و 768من ق ل ع ، والحال أنه لم يثبت لدى المحكمة أن رب العمل أبلغ رغبته للمقاول بضرورة إصلاح عيوب البناء ” .
وفي مقابل هذا السكوت الذي التزمه ق ل ع المغربي نلاحظ أن المشرع الفرنسي قد عرف التسليم في المادة 1792 المعدلة بمقتضى ق 4 يناير 1978 وقد جاء فيها ما يلي :” التسلم هو تصرف الذي يقرر بموجبه رب العمل قبوله للأشغال مع إبداء تحفظاته أو بدونها ” . وبذلك يكون المشرع الفرنسي قدوضع حدا للمنافسات الفقهية الحادة التي حصلت بخصوص الطبيعة القانونية للتسليم فيما إذا كان تصرفا قانونيا أو واقعة قانونية أومجرد اتفاقا منفصل عن عقد المقاولة ، وهذه بعض التعاريف الفقهية  .
مالنفواجوستاز : يعرفانه بأنه ” التصرف الذي يوافق بمقتضاه رب العمل على تقبل الأشغال مع الاعتراف للمقاول بحسن تنفيده للالتزاماته العقدية .
كاسطون : يرى بأن التسليم هو  ”  التعبير عن الإرادة ولو بصورة ضمنية من رب العمل المتمثل في انصراف قصده لقبوله للأشغال بعد الانتهاء منها ”
سوانا برنار : التسلم هو قبول العمل من قبل رب العمل بعد أن يمكنه المقاول من ذلك ” ويترتب عن ذلك في نظر سوزان أن التسلم ذو طبيعة قانونية وأنه صورة من صور التصرف القانوني الذي نادت به المدرسة التقليدية .
وانطلاقا من التعاريف السابقة يظهر أن الخلاف الحاصل داخل أوساط الفقه المغربي احتد بخصوص الطبيعة القانونية لهذا التسليم فيما إذا كان صورة من التصرف القانوني ، أو الواقعة القانونية لا دخل للإدارة الأطراف في حصوله .
ويرجع مصدر الخلاف في نظرنا إلى كون التسليم من المؤسسات القانونية التي يختلط فيها الواقع بالقانون لذلك بات الأمر طبيعيا ان نفصل النقاش الذي دار حول هذه النقطة قصد إجلاء الغموض الذي يكتنفها .
فما هو الطرح الذي تقدم به كل من انصار التصرف القانوني والواقعة القانونية ؟
وما هو التكيف الأقرب إلى الصواب هذا ما سنحاول إبرازه في ما يلي :
أ‌-    التسليم اتفاق منفصل عن عقد المقاولة :
تذهب هذه النظرية  إلى أن التسليم هو اتفاق مستقل ومتميز عن العقد الأصلي ( عقد المقاولة من الباطن ) وهو المنعقد بين المقاول الأصلي وبين المقاول من الباطن وكذا عن عقد المقاولة الأصلي المبرم بين رب العمل والمقاول الأصلي ” فنكون أمام عقدين متعاقبين ومستقلين ومتميزيين عن بعضهما حيث يقوم الأول أي عقد التسليم على انقضاء الثاني وهو عقد المقاولة الأصلي ، وأن اتفاق التسليم الذي يقوم بين ذات الأطراف وأن كان يترتب عليه انقضاء الالتزامات التعاقدية وفق القانون العام للعقود ويستند أنصار هذا الاتجاه في تأيد رأيهم إلى أن قيام المقاول من الباطن بتسليم الأعمال للمقاول  الأصلي يعتبر بمثابة إيحا بالوفاء ما دام أن هذا الأخير هو تنفيذ قصدي للالتزام وهو ما يحدث عند انتهاء المقاول من الباطن للعمل ويجب أن يكون هذا الوفاء مقبولا ، وهو نفس اللالتزام للمقاول الأصلي بعد الإنهاء من العمل المطلوب منه، أن يسلمه إلى رب العمل ويكون هذا التسليم بوضع العمل تحت تصرف رب العمل ، بحيث يستطيع أن ينتفع به دون عائق وعيب هذا الاتجاه انه يجعل من عملية التسليم عملية حضورية   تتم بين المقاول من الباطن والمقاول الأصلي ، وكذا بين رب العمل والمقاول الأصلي .
إلا أن هذه النظرية لا تخلوا من الانتقادات سواء بالنظر إلى موقف المقاول الأصلي أو المقاول من الباطن، بخصوص المقاول من الباطن عند ما يمنع المقاول الأصلي دون سبب مشروع من تسلم الأعمال التي تمت وانتهت رغم إنداره رسميا حيث يعتبر العمل هنا قد سلم إليه في حين أنه واقعيا لم يظهر رضاه، بالأعمال المنجزة ونفس الأمر بالنسبة للمقاول عندما يتم التسلم عن طريق القضاء أو يكون ضمني بناء على رغبة رب العمل فإن مساهمة المقاول لا تكون ضرورية ، وأن محضر التسلم والتسليم يكون ملزما له رغم أنه لم يكن طرفا فيه وغير موقع عليه متى كان قد أعلن عليه بالطريقة القانونية  .
ب‌-    التسليم مجرد واقعة مادية أو عمل مادي :
تذهب هذه النظرية   إلى أن التسليم مجرد واقعة مادية أو عمل مادي أي أنه واقعة قانونية وليس عملا قانونيا أي أنه مجرد وسيلة فنية عادية للتبت من إعطاء الأعمال للمقاول الأصلي وقد استند هذا الاتجاه لتعزيز رأيه على تفسير معنى الوفاء باعتباره وسيلة من وسائل انقضاء اللالتزام في القواعد العامة ، حيث يرتب المشرع أثرا على الوفاء هو إبراء” للمدين المقاول الأصلي أو “المقاول من الباطن ”  تجاه رب العمل طالما أن المدين قد وفى بإلتزامه مطابقا تماما لما تعهد به في مواجهة الدائن وبذلك لا يعتبر الوفاء مبرئا لذمة المدين مجرد القيام بالعمل ولكن لا بد أن يكون هذا العمل مستوفيا للشروط والمواصفات المنصوص عليها في العقد وبل تلك التي تقتضيها طبيعته ولو لم ينص عليها صراحة  .
نجد أن أصحاب هذا الرأي يرون أن عملية التسليم ليست هي التي تعفي المدين ( المقاول من الباطن في مواجهة المقاول الأصلي  وهذا الأخير في مواجهة رب العمل ) لأنها لا تثبت سوى مجرد تنفيذه للالتزامه وليس المطابقة وبالمقابلة فإنه حتى بدون تسليم الأعمال يكفي مجرد ثبوت هذه المطابقة حتى تبرأ ذمة المدين لأن هذه الأخيرة كافية لأحداث الأثر وذلك بإرادة المشرع نفسه ، مما يعني أن إعلان إرادة المقاول الأصلي عن الأعمال المنفذة من قبل المقاول من الباطن وكذا إعلان رب العمل عن الأعمال المنفذة من قبل المقاول للأصلي ، ولا يضيف جديدا بل يقتصر دورهم على مجرد السماح للقانون بإنتاج أثاره إلا إذا قرر الرفض أو تقرير بعض التحفظات فهنا فقط نرى أن إرادة المدين قد تدخلت للأحداث أثار قانونية تتمثل في إرجاء النتائج القانونية للتسلم .
” الاتجاه الغالب ” في الفقه يعتبر الوفاء من قبيل التصرفات القانونية حتى ولو كان هذا الوفاء في أصله ينطوي على بعض الأفعال المادية كتمكين رب العمل من شغل العقار محل الإنجاز و الدليل على ذلك أن جل التشريعات بما فيها ( ق ل ع ) المغربي تستلزم إقامة الدليل الكتابي متى كان الدين محل الوفاء يتجاوز في قيمته 250 درهم ( الفصل 443) ق ل ع ، مما يعني أن الوفاء لا يكون إلا تصرف قانوني .
وبالتالي فإن اعتبار التسليم من قبيل التصرفات الإرادية المنفردة لا ينفي الطابع المادي الذي يصاحب تسلم المقاول للأصلي للأشغال المنجزة من قبل المقاول من الباطن وكذا تسلم رب العمل الأشغال من قبل المقاول للأصلي عن طريق تمكينه منها بالوسائل المتعارف عليها هذا الميدان .
ج-التسليم والتسلم عمل انفرادي من كلا الطرفين
استقر غالبية الفقه  على اعتناق هذا الرأي الذي يعتبر التسليم ما هو إلا تعبير عن ارادة منفردة لمقاول البناء من الباطن بعد إنجاز العمل وفقا للمواصفات المطلوبة في حين أن تسلم المقاول للأصلي للأعمال المنجزة ما هو أيضا إلا تعبير عن إرادة منفردة من جانبه على موافقته على هذه الأعمال إقرارا منه على أنها أنجزت بشكل مطابق للشروط المطلوبة ويرى أنصار هذه الاتجاه أن الطابع الإنفرادي لكل من عملية التسليم والتسلم لا يتعارض مع ما اقتضاه المشرع الفرنسي من أن التسليم يجب أن يكون حضوريا وبناءا على طلب الطرف الأكثر حرصا .
اعتمادا على المادة 1792 /6 من القانون المدني الفرنسي تنص على أن ” التسلم هو العمل الذي عن طريقه يقرر رب العمل بقبوله للأعمال” وصياغة النص تحي التسلم عمل قانوني صادر عن إدارة رب العمل ( المقاول الأصلي )المنفردة ولا دخل للإدارة المقاول من الباطن في ذلك والعكس صحيح بالنسبة للمقاول للأصلي في علاقته برب العمل .
إن هذا التكيف ينسجم مع مضمون الفصل 774 ق ل ع الذي يضع التزاما مستقلا على عاتق رب العمل هو تسلم أشغال المقاولة، إذا كانت مطابقة للشروط المنصوص عليها في العقد  .” يلتزم رب العمل بتلسم المصنوع إذا كان مطابقا للعقد ” ويتم تنفيذ هذا ولو بالإرادة المنفردة للزبون من غير ان يتدخل المقاول في هذه العملية، ويعتبر انصراف ارادة رب العمل إلى مثل هذه التصرفات دليل قاطع على تسلم الإرادي للأشغال البناء .
وعلى ذلك يمكن لنا القول بعد العرض السابق لتوضيح رأي الفقه في الطبيعة القانونية للتسلم بان هذا الأخير وإن كان عمل قانوني وليس واقعة قانونية إلا انه ليس صادر عن إرادة منفردة وإنما هو صادر عن التزام تعاقدي بمقتضى عقد المقاولة من الباطن ” المبرم بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن” ونجد أساسه طبقا لما اتفق عليه أطرافه أي انه عمل قانوني صادر عن إدارة مشتركة انصبت في عقد المقاولة من الباطن  .
________________
– مصدر القرار : مجموعة المحاكم المغربية لسنة 1956 ص 23/24.
– عبد العزيز توفيق ” التعليق عن ق ل ع المغربي بقضاء المجلس الأعلى ومحاكم النقض العربية ” طبعة 1999 ص 188.
– عبد القادر العرعاري ، م س ، ص 136.
– محمد شكري سرور ، م  س ، ص 146 ورأفت محمد احمد حماد ، م س ، ص 76-77
– عبد الرزاق  حسين يس ، م س ، ص 116.
– محمد شكري سرور ، م س ، ص 149.
–  « Boubli » une banale technique de constatation de la delavancé .1971
مشار إليه في : رأفت محمد احمد حماد ، م س ، ص 76
– عبد الرزاق حسن يس ،م س ، ص 158 / رأفت احمد محمد حماد ، م س ، ص 77
– شكري سرور مرجع سابق ص 146 و 147 / عبد الرزاق حسن يس ، م س ، ص 161 ، ط 1987.
– +Caston «  la résponsabilité des contructeurs » 2 ed 1979 p 74-75
مشار إليه في عبد القادر العرعاري ، م س ، ص 140
+Alary la réception de l’ouvrage regine et conséquence en droits français et international «  1988 p 719
مشار إليه في رأفت أحمد محمد حماد ، م س ، ص 79 ص 265
+  ناجي يقوت ” مسؤولية المعمارية ” أطروحة 1984 ص 265.
– قارن ذلك بمادة 558 من القانون المدني الجزائري الذي جاء فيه ” عندما يتم المقاول العمل ويضعه تحت تصرف رب العمل وجب على هذا الأخير أن يبادر إلى تسلمه في أقرب وقت ممكن بحسب ما هو جائز في المعاملات ” مشار إليه في ” عبدالقادر العرعاري ، م  س ، ط 1991 ص 140
– رأفت محمد احمد حماد، م س ، ص 82.

بعض الطلبة تصفحوا هذه المقالة ثم قرأوا أيضا...

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.