حدوث الضرر في حال المسؤولية المدنية العقدية

مسؤولية المقاول والمقاول من الباطن
الفصل الأول الأول : المسؤولية العقدية للمقاول والمقاول من الباطن .
المبحث الأول :المسؤولية العقدية للمقاول والمقاول من الباطن قبل التسليم
المطلب الثاني : أحكام المسؤولية العقدية

فقرة ثانية : حدوث الضرر
إن الضرر في حال المسؤولية المدنية العقدية يعطي لرب العمل الحق في التعويض سواء طبقا للقواعد العامة . أو طبقا لأحكام الخاصة بالضمان العشري .
إلا أن مجرد الإخلال بالالتزام لا يكفي حتى يسأل المقاول عقديا في علاقته برب العمل طبقا للقواعد العامة وإنما يتعين على هذا الأخير إقامة الدليل على ضرر أصابه من جراء هذا الإخلال . ويتمثل الضرر هنا بصفة أساسية في العيب الذي يلحق البناء ، وذلك بصرف النظر عن مدى جسامة هذا العيب أو خطورته .
المسؤولية العقدية السابقة على التسليم، تشمل جميع العيوب حتى ما كان ظاهرا منها ، ما دام رب العمل قد رفض التسليم  ، والافتراض فيه بقبول هذا التسليم يكون قد تغاضى عن العيب   كما أنه لفظة العيب في البناء تتسع بداهة لتشمل عدم مطابقة الأعمال للتصميمات ، أو مخالفتها للمواصفات المتفق عليها كما يتصور أن يلحق الضرر رب العمل ولو نفذت الأعمال خالية في ذاتها من أي عيب إذا كانت قد أنجزت متأخرة عن الموعد المحدد بالصفقة ، أما إذا كان رب العمل هو نفسه المسؤول عن هذا التأخير لكونه ملزم بتمكين المقاول من البدء بإنجاز العمل قد تأخر ، مثال ما كان يتعين عليه القيام به من الحصول على التراخيص اللازمة لبدء العمل والمضي في تنفيده؟
ولكن ما هو معيار العيب وشروطه الموجبة لمسؤولية المقاول ؟ يقصد بالعيب هنا سواء الخفي أو الظاهر هو العيب الذي يصيب المبنى أو المنشأ والتي تقتضي أصول الصنعة وقواعد الفن خلوها منه، وهذا العيب الذي يلحق بالمبنى يحقق مسؤولية المقاول، وذلك بصرف النظر عن مدى جسامته أو خطورته فالمسؤولية العقدية تشمل جميع العيوب  .
فالعيب الظاهر يسلم الفقه والقضاء المغربي بان من شأن تسلم الأعمال من جانب رب العمل بلا تحفظ إعفاء المقاول من مسؤولية عن العيوب التي كانت ظاهرة وقت حصوله وهذا ما يسمى بالأثر الإعفائي للتسليم بخصوص العيوب الظاهرة، والمقصود بذلك أن هذا النوع من العيوب لا يكون مشمولا بالضمان العشري فرب العمل إذا تسلم مصنوعا معينا ولم يبد تحفظاته بخصوص العيوب الظاهرة  . فهذا معناه أنه قبل البناء على ما هو عليه ، وهذا ما يسري أيضا في عقد المقاولة من الباطن فإذا ما تم تسليم البناء من جانب المقاول الأصلي ( رب العمل العرضي) بلا أي تحفظ فإنه يترتب على ذلك إعفاء المقاول من الباطن من مسؤولية عن العيوب التي كانت ظاهرة وقت حصوله، لان المقاول الأصلي يمكن له أن يكتشفها لو أنه بدل في فحصها ومراجعتها – مع ما يتمتع به من خبرة في هذا المجال على اعتبار أنه مقاول في الأصل – ما يبذله الشخص المعتاد من نفس طائفته  .
أما العيب الخفي: فلا يشترط أن يكون قديما ، أي موجودا وقت قبول رب العمل، فالمسؤولية تتناول العيوب القديمة كما تناول العيوب الطارئة بعد القبول وفي ذلك يبدو خروج أحكام مسؤولية المقاول على القواعد العامة في المسؤولية الناشئة عن عقد المقاولة ، إذ لا يضمن المقاول عيوب عمله وفقا لتلك القواعد إلا إذا كانت قديمة ، أي موجودة في العمل عند تسلمه ، أو على الأقل أن يكون مصدرها موجودا في ذلك الوقت، وبديهي أنه إذا كان العيب طارئا فلا معنى لاشتراط أن يكون خفيا وقت القبول ( أو التسليم) لأنه لم يكن موجودا في ذلك الوقت، أما إذا كان العيب قديما، أي موجودا في المبنى وقت القبول فالمقاول لا يضمن إلا إذا كان خفيا ، غير معلوم لرب العمل في ذلك الوقت، وغير ممكن كشفه ولو بذل عناية الشخص المعتاد في فحصه المبنى ومعاينته  .
هذا عن عقد المقاولة الأصلي أما عقد المقاولة من الباطن، فيشترط أن يكون العيب الخفي قائما قبل التسليم أي يجب أن يكون العيب قديما في نشأته كما يجب أن يتصل العيب بنشاط المقاول من الباطن السابق على التسليم ، فلا يضمن هذا المقاول العيب الخفي في عمله إلا إذا كان قديما وسابقا على التلسيم أي مصدره راجعا إلى فترة إقامة المبنى ، بمعنى أن يكون سبب موجودا في العمل عند معاينته وإقراره ولا يلتزم بضمان العيب الخفي ، إذا نشأ بعد التسليم  . لأن  ذلك هو ما تقتضيه القواعد العامة الواجبة التطبيق على مسؤوليته المقاول من الباطن وذلك على عكس المسؤولية الخاصة بالمقاول الأصلي تجاه رب العمل حيث لم يقتصر المشرع على إلزامه بالعيوب التي تكون في عملهم وقت القبول بل جعلهم ضامنين لما ينشأ من هذه العيوب بعد ذلك في خلال المدة المحددة قانونا .
فقرة ثالثة : تقادم المسؤولية :
إعمالا لمبدأ ” العقد شريعة المتعاقدين ” المنصوص عليه في الفصل 230 ق ل ع  ، فإنه يتعين على المقاول من الباطن أن يفي بالتزاماته العقدية التي تعهد بها في صلب العقد وأي إخلال بهذه الالتزامات إلا ويتعرض لتحمل المسؤولية العقدية متى توافرت شروطها .
والمسؤولية هي جزاء الإخلال بالتزام قانوني ودعوى المسؤولية هي رفع طلب التعويض عن الإضرار الناتجة عن هذا الإخلال إلى الجهة القضائية المختصة لذا يتعين على رب العمل أو نائبه القانوني إذا ما وقع اخلال تعاقدي من طرف المقاول أن يقوم برفع دعوى ضد هذا المقاول داخل أجل التقادم المنصوص عليها في الفصل 387 ق ل ع وهي خمسة عشرة سنة تبدأ من تاريخ علم رب العمل بالفعل الموجب للمسؤولية وليس من تاريخ تحقق هذا الفعل  .
ومنه فما هي الشروط والعيوب الموجبة لتحقق المسؤولية وفقا للنظرية العامة ؟
أولا : شروط تحقق المسؤولية وفقا للنظرية العامة .
الإخلال بالتزام عقدي : والمقصود بالعقد هنا هو عقد المقاولة من أجل البناء، ولا يلزم ضرورة أن يكون الالتزام الذي حصل الإخلال به منصوصا عليه صراحة في العقد فقد يكون مما تقتضيه العلاقة الرابطة بين رب العمل والمقاول كالالتزام بإسداء النصيحة والمشورة الذي يترتب على الإخلال به إلزام هؤلاء بناء على قواعد المسؤولية العقدية لأنه من الشروط التي يقتضيها العقد ولا تنافيه .
وعلى كل حال ، فإن مظاهر الإخلال بالالتزامات العقدية للمقاول قد يكون بسبب التأخر في الوفاء به أو بسبب عدم الوفاء، وهاتان الحالتان قد أشار إليهما الفصل 263 من ق ل ع وهو بصدد تحديد حالات الاستحقاق التعويض ” يستحق  التعويض إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام وإما بسبب التأخر في الوفاء به وذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدني” وهناك حالة ثالثة تتعلق بالتنفيذ المعيب لمحل الالتزام، كأن تظهر عيوب مخالفته لقواعد الفن المعماري والبناء لا زال في طور الإنجاز ففي مثل هذه الحالة يكون هناك مجال الإصلاح العيوب واستحقاق التعويض عن الأضرار التي تكون قد لحقت رب العمل بسبب ذلك.
– أن يحصل هذا الإخلال قبل تسليم البناء لرب العمل : وهو شر ط أساسي لإعمال دعوى المسؤولية وفقا للنظرية العامة ، لأنه بعد حصول هذا التسليم سيكون هناك مجال الأعمال دعوى الضمان العشري إذا توافرت شروطها الموضوعية المنصوص عليها في الفصل 769 من ق ل ع    . وإذا لم تتوفر هذه الشروط فإن دعوى ضمان العيوب الخفية وفقا للنظرية العامة لعقد البيع نجد مكانها الملائم للتطبيق ، وتبدأ فترة ما قبل التسليم من تاريخ وضع التصميم والشروع في الحصول على رخصة البناء القانونية مرورا بطور الإنجاز إلى غاية  تسليم المفاتيح لرب العمل والتنازل له عن الحيازة القانونية والمادية معا .
احترام أجل دعوى المسؤولية (التقادم ) : يتعين على رب العمل أو نائبه القانونية أن يرفع دعواها ضد المقاول داخل أجل التقادم المنصوص عليها في الفصل 387 من ق ل ع الدعاوى الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمسة عشرة سنة، فيما عدا الإستثناءات الواردة فيما يعد والاستثناء التي يقض بها القانون في حالات خاصة ) وفي أي الأحوال تسقط الدعوى الناشئة عن العمل غير المشروع بمضي خمسة عشرة سنة من يوم وقوع العمال غير المشروع وإذا كانت الدعوى الناشئة عن جريمة فلا تسقط دعوى التعويض إلا بسقوط الدعوى الجنائية ، أي أنه تتغير مدة سقوط دعوى التعويض الناشئة عن جريمة بنوع الجريمة الواقعة .
أما في المسؤولية العقدية فإنه يجب الرجوع إلى النصوص القانونية التي أبرمت العقود طبقا الأحكامها القاعدة العامة هي أن يتقادم الالتزام بانقضاء  خمسة عشرة ستة فيما عدا الحالات التي قرر لها القانون حكما خاصا .
ويبدأ سريان التقادم من الوقت الذي يحل فيه الالتزام ويستطع فيه الدائن (رب العمل ) المطالبة بدينه وليس من وقت نشوء دعوى التعويض على ما هو الحال في المسؤولية التقصيرية .
ضرورة إثبات رب العمل لخطأ المقاول : لقبول دعوى المسؤولية العقدية وفقا للنظرية العامة فإنه يتعين على رب العمل أن يقدم الدليل على خطأ المقاول أثناء مزاولته لمهامه والتزاماته التي تعهد بها في صلب العقد وكذا التي تعد من مقتضياته إذا جرى التعامل على إجازتها .
ويرجع ذلك إلى أن أساس هذه المسؤولية يكمن في فكرة الخطأ الواجب الإثبات  ، بالرغم من الصعوبات التي تعوق رب العمل وهو بصدد تقديم الدليل على خطأ شخص محترف كالمقاول إلا أن المحاكم المغربية لا زالت تتمسك بضرورة  تقديم هذا الدليل في الوقت الذي ذهب فيه الاتجاه السائد في الفقه والقضاء الفرنسي إلى التخفيف عن عبء هذا الإثبات خصوصا بالنسبة الأخطاء الصادرة عن المقاول لأن الفقه والقضاء يميل إلى اعتبار التزامات هذا الأخير من قبيل الالتزامات بغاية التي يترتب على الإخلال بها تحميله المسؤولية من غير التزام رب العمل بإثبات خطائه .
ثانيا – العيوب الموجبة لتطبيق المسؤولية وفقا للقواعد العامة :
إن العيون التي توجب تطبيق قواعد المسؤولية العقدية ، وفقا للنظرية العامة هي التي لا تتوفر فيها شروط العيب الموجب للضمان العشري المنصوص عليه في المادة 17925.مدني فرنسي المقابلة للفصل 769 من قانون الالتزامات والعقود ، وهكذا يدخل ضمن هذا النطاق كل العيوب الظاهرة التي لم يتحفظ بشأنها أثناء التسليم .
لكن هل يمكن لرب العمل أن يستفيد من دعوى المسؤولية العقدية وفقا للنظرية العامة في الفترة الموالية للتسليم ؟ هذا السؤال تردد على ألسنة الفقهاء حيث استفسروا حول ما إذا كان بإمكان رب العمل أن يستفيد من مقتضيات دعوى  المسؤولية العقدية وفقا النظرية العامة في الفترة الموالية للتسليم عندما يتعلق شرط من شروط الضمان العشري؟ فما هو موقف هؤلاء الفقهاء من فكرة تمديد نطاق هذه المسؤولية لما بعد التسليم .
لقد تداربت الآراء الفقهية حول إمكانية أو عدم إمكانية تمديد نطاق المسؤولية العقدية لتشمل الفترة الموالية للتسليم أيضا، ومرد هذا الاختلاف يرجع بالدرجة الأولى إلى تمسك خصوم هذا التمديد بفكر ة الأثر الإعفائي المطلق للتسليم بحيث يتحلل المقاول من تحمل المسؤولية العقدية في الفترة الموالية للتسليم إلا ما كان داخل ضمن نطاق الضمان العشري أما بالنسبة لأنصار هذا التمديد فإنهم يرون في ذلك متنفسا جديدا لرب العمل يمكن له من خلاله تدارك الحالات التي لا يسري عليها الضمان الخاص حتى ولو انتقلت الملكية إلى رب العمل بتسليم البناء إليه .
وإذا كان هؤلاء الأنصار يرون في إجازة هذا التطبيق إعمالا بمقتضيات العدالة التي تفرض إنصاف الطرف المتضرر في عقد المقاولة فإن خصومهم يعكس ذلك يرون في ذلك تطاولا على قواعد غير قابلة للتطبيق ويستدلون على ذلك بعدم قابلية انتقال هذه الدعوى مع العقار وبهشاشة هذه المسؤولية وعدم اتباتها أمام الاشتراطات الاتفاقية نظرا لكون هذه المسؤولية ليست من النظام العام، فهذا يعني إمكانية الاتفاق على مخالفتها باستبعادها أصلا أو التقليص من فعاليتها ، بالإضافة إلى عدم ملائمة مهلة تقادم المسؤولية العقدية للتطبيق في ميدان البناء لأنه لا يعقل أن تتقادم دعوى المسؤولية العقدية الناشئة عن العيوب والإخلالات البسيطة خلال خمسة عشر سنة في الوقت الذي تقادم فيه دعوى الضمان العشري خلال 10 سنوات وبالرغم من جسامة العيوب الموجبة لهذا الضمان الأخير .
__________________
– إذا حصل الضرر خلال الفترة السابقة على التسليم .
– إذا حصل الضرر خلال الفترة اللاحقة على التسليم
– يعني ضرورة توافق علاقة سيئة في هذا الإخلال والضرر الذي لحق رب العمل .
– التسليم يعفي المقاول من المسؤولية عن العيوب الظاهرة .
– رأفت محمد أحمد حماد ، م س ، ص 125.
– حكم ابتدائية الدار البيضاء في 19 /4/  1945 عن مجلة المحاكم المغربية لسنة 1975 ص 83…
– مع إمكانية طلب رب العمل بإصلاح تلك العيوب من طرف المقاول الأصلي بشرط أن يحتج أو تحفظ عليها خلال فترة الضمان التي تعقب التسلم : عبد الرزاق السنهوري ، م س ، ص 219.
– محمد لبيب شنب ، ص 164
– محمد عزمي البكري ، م س ، ص 340
– الالتزامات التعاقدية المنشأ على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاها أو في الحالات المنصوص عليها في القانون .
– راجع مجلة المحاكم المغربية ع 90 شتنبر أكتوبر 2001 ص 20.
– يمكن استخلاص هذا الشرط من نص الفصل 463 ق ل ع الذي جاء فيه ” تعتبر مضافة لشروط العقد الشروط الجاري بها العمل في مكان إبرامه والشروط التي تقتضيها طبيعته .
– فصل 769 ق ل ع ” المهندس والمقاول المكلفات مباشرة من رب العمل يتحملان المسؤولية إذا حدث خلال عشر سنوات التالية لإتمام البناء أو غير من الأعمال … أو عيب في الأرض .
–  شكري سرور م س ص 101.

بعض الطلبة تصفحوا هذه المقالة ثم قرأوا أيضا...

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.