المقام ودوره في خلق التعدد اللغوي, اللغة الوسطى

التعدد اللغوي وأثره الجمالي في وليمة لأعشاب البحر ” لحيدر حيدر”
الفصل الأول
III- المقام ودوره في خلق التعدد اللغوي
تتابين اللهجة والمعجم المتعملين بتباين الطبقات الاجتماعية فلغة التلميذ ليست هي لغة المحامي أو الطبيب، او الضابط، او الفلاح …. إذ لكل مجال رطانته الخاصة. غير أن المتكلم، أو المستعمل لرطانة  معينة لا يستعملها في جميع المقامات فالمحامي مثلا لا يستخدم حين يخاطب أطفاله – نفس اللغة التي يدافع بها عن موكله  في المحكمة، ” فالوحدة المسماة ( إنسان) تتعدد داخل سياقات الكلام، فهي مستعصية عن كل تحديد لأن الإنسان لا يتطابق أبدا مع نفسه ” . بل يتطابق مع المقام الذي يحكمه ويفرض عليه انتقاء المعجم والطريقة المناسبة للتعبير وفي هذا السياق يقدم ميخائيل باختين مثالا عن التعدد اللغوي عند الشخص الواحد حيث يقول :” … على هذه الشاكلة كان الفلاح الأمي البعيد… عن كل مركز والفارق بسذاجة وسط وجود يومي يظنه جامدا او ثابتا ، يعيش وسط عدة أنساق لسانية كان يصلي لله في لغة ( سلافية الكنسية) وكان يغني في لغة أخرى ، ويتكلم داخل الأسرة لغة ثالثة وعندما يشرع في إملاء طلب على كاتب عمومي موجه لسلطات المقاطعة القروية، كان يجرب لغة رابعة ( رسمية ) … ”  .
نستشف إذن من خلال هذا المقطع ان الفلاح الأمي ، كان واعيا بضرورة انتقاء لغة تراعي المقام وتتلاءم معه .
يتضح أن للمقام دورا كبيرا في اختيار المتكلم للغة دون أخرى، إذ من المستحيل أن نجد مديرا ماليا لشركة ما ، يتحدث إلى أفراد أسرته بلغة التقارير والمداخيل والمصاريف والميزانية والقيمة المضافة … إلا إذا منعه. من الفصل بين المقامين هوسه وشدة ارتباطه بميدان عمله .
الرواية جنس أدبي ، ديمقراطي يسمح لكل شخصية بالتعبير عن موقعها الاجتماعي ورؤيتها للعالم كما يسمح لهذه الشخصية أن تغير وتنتفي لغتها، بانتقالها من مقام إلى آخر .
تتعدد إذن العوامل التي تخلف التعدد اللغوي داخل الراوية ، من بينهما كما ذكرنا ، تباين المستوى الاجتماعي والثقافي، واختلاف المقامات التي تؤطر وجود الشخصية .

IV- اللغة الوسطى
يشير عبدالرحمان منيف إلى أن ” اللغة هي عبارة عن كائن حي : تولد ، تنمو تكبر تضمن حسب اعتبارات وظروف معينة ” ومن ثم، فإن تطور المجتمعات اختلاط الأجناس وتراجع مستوى التعليم ثم ظهور التمايز الطبقي … جعل اللغة الفصحى تتفرع إلى مستويات لغوية أخرى ( لهجات)، ورطانات مهنية ( رطانة الطبيب، رطانة الفلاح، رطانة الضابط…)
وقد ساهمت هذه التحولات مجتمعة في انتشار العامية بكثرة والاعتماد عليها في كتابة الأعمال الروائية ، ويرى عبدالرحمان منيف أن لويس عوض، كان من أبرز المتمحسين الداعين إلى استعمال العامية، إذ ” كان له خلال فترة مبكرة اجتهاد في كتابة الرواية باللهجة العامية. وروايته الأولى . واسمها مذكرات طالب بعثة” كتبت باللهجة العامية بالكامل ، ليس فقط الحوار ، وإنما النص أيضا “.
يسوغ دعاة العامية دعوتهم هاته بكون المصطلحات العامية أقرب إلى حياة الناس، كما أنه من الظلم جعل الفلاح الأمي يتكلم لغة المنفقين، بالإضافة إلى أن للعامية دور كبير في تحقيق التفاعل عدد كبير من المتكلمين والعارفين بنفس اللهجة. وفي مقابل هذا الرأي الداعي إلى العامية ، نجد توجها آخر، مناقضا يعتبر اللغة شيئا مقدسا، غير قابل لأية إعادة نظر أو مراجعة وبالتالي يرفض هذا الطرح تعويض ما هو ثابت مقدس فما هو بما هو عابر منحط وبين هذين الرأيين المتعارضين . نجد موقفا وسطا يدعو إلى تعايش الفصحى مع العامية، واشتعالهما معا لتكوين لغة واحدة، هي ما يسمى باللغة الثالثة . او اللغة الوسطى. وهي بمثابة ” مستوى لغوي ، يقف وسطا بين الفصحى لغة الأدب، وبين العامية، ولهحاتها المحلية ، المختلفة . وتكون بمثابة لغة مشتركة معافاة سليمة سائغة يجيدها الخاصة، ولا يعجز عنهما او يستصعبها العامة ”   ، وجاءت الدعوة إلى هذه اللغة لكون العامية ” ليست مفهومة في كل زمن ولا في كل قطر، بل في كل إقليم”  فاللبناني والسوري يصعب عليهما مثلا ، فهم اللهجة المغربية ، كما يصعب على المغاربة أنفسهم أحيانا فهم بعضهم البعض ، فالمتكلم الصحراوي يصعب عليه فهم لهجة المتكلم الذي ينتمي إلى جهة الشمال ، كما أن فهم اللغة الفصحى هي الأخرى غير متاح لجميع الناس ومن ثم فاللغة الوسطى جاءت ” لترميم الأخدود بين اللغة الفصحى واللهجة العامية “.
تكمن أهمية اللغة الوسطى في مساهمتها في إرساء الوحدة على الصعيد القطري والقومي وتحقيق المزيد من ديموقراطية الثقافة”  وتضييق الفجوات بين طبقات المجتمع إنها إذن الوسيلة التي بإمكانها التخفيف من حدة الصراع والتنازع القائم بين الفصحى والعامية .
يقول عبدالرحمان منيف :” لا شك أن موضوع العامية مغامرة خطرة وهذا يعني أنني لا أحبذ ولا ازكي العامية بالمطلق، لكن لست أيضا من أنصار الفصحى التقليدية يجب أن نبحث عن لغة من نوع معين وهذه اللغة يجب تكون لها علاقة أساسية مع الفصحى لكن لديها أيضا هامشا تتحرك فيه ”   ومن ثم يعتبر رأي منيف معتدلا برفضه للغوص في القديم ورفضه لاستخدام العامية كما يصرح أنه اعتمد في رواياته الأولى كلها على اللهجة الوسطى.
تتميز اللغة الوسطى بكونها تجمع بيت قوة الفصحى ومرونة العامية وقدرتها على تمثيل واقع الناس، وذلك بإخضاع الكلمات العامة لقواعد الفصحى .
___________
– M.Bahitine , la poétique de dostoievski, op cit , p 15.
-ميخائيل باتين ، الخطاب الروائي مرجع مذكور ص 57.
– عبدالرحمان منيف ، الكاتب والمنفي المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، والمركز الثقافي العربي بيروت ، الطبعة III 2001 – ص 98.
– نفس المرجع ص 102.
– أحمد محمد معتوق ، نظرية اللغة الثالثة، دراسة في قضية اللغة العربية الوسطى المركز الثقافي العربي ، بيروت الدار البيضاء ، الطبعة الأولى، 2005 ص 70.
– عبدالسلام محمدي مفهوم الأدب عند توفيق الحكيم ، منشورات كلية الآداب مكناس ، ط 1 ص : 17.
نفس المرجع ، ص  : 16.
– أحمد محمد معتوق، نظرية اللغة الثالثة مرجع مذكور ، ص :9.
– عبدالرحمان منيف ، الكاتب والمنفي ، مرجع مذكور ، ص  107

قرأوا أيضا...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.